ابن أبي الحديد
185
شرح نهج البلاغة
عليه عند أهل الشام ، ويضيفه إلى ما قرره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم ، فقد كان غمصه ( 1 ) عندهم بأنه قتل عثمان ، ومالأ على قتله ، وأنه قتل طلحة والزبير ، وأسر عائشة ، وأراق دماء أهل البصرة . وبقيت خصلة واحدة ، وهو إن يثبت عندهم أنه يتبرأ من أبي بكر وعمر ، وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة ، وأنهما وثبا عليها غلبة ، وغصباه إياها ، فكانت هذه الطامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه ، بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره ، لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين ، إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة ، فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبى بكر ، وأنه أفضل المسلمين ، إلى أن يخلط خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبى بكر ، فكان الجواب مجمجما ( 2 ) غير بين ، ليس فيه تصريح بالتظليم لهما ، ولا التصريح ببراءتهما ، وتارة يترحم عليهما ، وتارة يقول أخذا حقي وقد تركته لهما ، فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأول ليستفزا فيه عليا عليه السلام ويستخفاه ، ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه . وقال له عمرو : إن عليا رجل نزق تياه ، وما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبى بكر وعمر ، فاكتب . فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي ، وهو من الصحابة ، بعد أن عزم على بعثته مع أبي الدرداء . ونسخة الكتاب : من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب . أما بعد ، فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا عليه السلام لرسالته ، واختصه بوحيه وتأدية شريعته ، فأنقذ به من العماية ، وهدى به من الغواية ، ثم قبضه إليه رشيدا حميدا ، قد بلغ الشرع ، ومحق الشرك ، وأخمد نار الإفك ، فأحسن الله جزاءه وضاعف عليه نعمه وآلاءه . ثم إن الله سبحانه اختص محمدا عليه السلام بأصحاب أيدوه وآزروه ونصروه
--> ( 1 ) غمصه : اتهمه . ( 2 ) مجمجما : غير واضح .